قالت وكالة "أسوشيتد برس"، إنه بعد مضي ستة أشهر على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بهدفه تغيير وجه الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، تغيرت المنطقة، ولكن ليس بالطريقة التي كانتا تأملانها.

 

وأضافت أن الجمهورية الإسلامية نجت من اغتيال قادتها البارزين وتعرضها للقصف العنيف على مدار أسابيع، ووجدت في مضيق هرمز وسيلة ضغط قوية، في الوقت الذي شهدت فيه دول الخليج العربي ثغرات مقلقة في المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها لعقود، وبدأ بعضها يبحث عن بدائل.

 

وأوضحت أن إسرائيل سحقت أعداءها مجددًا دون هزيمتهم، وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب في غزة والاستيلاء على أراضٍ جديدة، باتت تواجه خطر قطيعة تاريخية مع الولايات المتحدة، أقرب حلفائها. وتضاءلت آمال تطبيع العلاقات مع السعودية- وهو طموح أمريكي وإسرائيلي راسخ- أكثر من أي وقت مضى.

 


عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 فبراير، كانتا تأملان في إسقاط قيادتها الروحية واستبدالها بحكومة موالية للغرب، "لكن بدلاً من ذلك، انتهى بهما الأمر إلى نظام متشدد ومتطرف للغاية"، بحسب باربرا ليف، السفيرة السابقة التي شغلت منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط في إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

 

وقالت: "سيكون التعامل مع هذا الأمر صعبًا للغاية، على أقل تقدير". وأضافت: "لقد ازدادت ثقة إيران على مدى الأشهر الماضية بأنها لا تستطيع فقط البقاء، بل يمكنها الانتصار، ويمكنها إعادة تشكيل المشهد الإقليمي".

 

فترة ما قبل الهجوم


في الفترة التي سبقت الحرب، بدت الجمهورية الإسلامية أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، بحسب التقرير.

 

انهارت العملة الإيرانية، مما أدى إلى اندلاع بعض أكبر الاحتجاجات المناهضة للحكومة في تاريخها، والتي قُمعت بوحشية في يناير، وأسفرت عن مقتل الآلاف. 

 

وقصفت إسرائيل والولايات المتحدة المواقع العسكرية والنووية الإيرانية خلال حرب استمرت 12 يومًا في الصيف السابق، كما مُني حلفاء إيران المسلحون بهزيمة ساحقة في الحروب التي أعقبت هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 من غزة.

 

لكن التقرير يشير إلى أن الأمور تغيرت بعد فترة وجيزة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولية، حيث تم استبدال قادة إيران بسرعة، وتجاهل شعبها - الذي كان يحتمي من الحرب- دعوات المهاجمين للانتفاض مرة أخرى.

 

إغلاق مضيق هرمز


أغلقت إيران فعليًا مضيق هرمز، وهو ممر تجاري حيوي للنفط والغاز، وهاجمت دول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية، مما أدى إلى اضطراب الاقتصاد العالمي. وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وقف إطلاق النار في أبريل ووقع اتفاقًا مع إيران في يونيو، والذي انهار بعد أسابيع.

 

تُصرّ إيران الآن على بسط سيطرتها الدائمة على المضيق، واستخدامه لدرء أي هجمات مستقبلية والحصول على تنازلات أخرى، مع التمسك بموقفها الرافض لبرنامجها النووي المتنازع عليه. ويصف التقرير الأمر بأنه مقامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما مع تشديد الولايات المتحدة حصارها وتعهدها بفرض عقوبات جديدة على الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً.

 

قال يوئيل جوزانسكي، الخبير في شؤون إيران والخليج في معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي: "لقد أثبتت إيران أن مضيق هرمز يمنحها نفوذًا كبيراً، لكن الاضطراب المطول يضر أيضًا بجيرانها، الصين، والاقتصاد العالمي، بينما يشجع في الوقت نفسه على إيجاد بدائل للمضيق". 

 

وأضاف: "يكمن خطر طهران في الخلط بين قدرتها على البقاء والنصر، والمطالبة بأكثر مما تستطيع تقديمه من نفوذ".

 

تشكك دول الخليج في الضمانات الأمنية الأمريكية


على مدى عقود، التزمت الولايات المتحدة بحماية مصدري النفط الأثرياء في الخليج من العدوان الخارجي، باستخدام شبكة واسعة من القواعد في جميع أنحاء المنطقة.

 

وساهم هذا الترتيب في تأمين أسواق الطاقة العالمية، وردع العراق في عهد صدام حسين، ولاحقًا إيران، وساهم في تحول الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى إلى ملاذات للازدهار في منطقة مضطربة.

 

إيران تهاجم دول الخليح


ردّت إيران على إسرائيل، لكنها وجّهت صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو دول الخليج التي كانت تأمل في النأي بنفسها عن الحرب. وضربت قواعد أمريكية وبنية تحتية حيوية للطاقة، مما أدى إلى استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية وتقليل مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المتطورة.

 

ردّت إيران على الهجمات التي استهدفت بنيتها التحتية المدنية بضرب محطات تحلية المياه التابعة لجيرانها. وأثار ذلك مخاوف من أن تؤدي حربٌ بدأت دون تشاور مع دول الخليج إلى هجمات كارثية على شبكات المياه والكهرباء فيها.

 

قال كريستيان كوتس أولريشسن، خبير شؤون الخليج في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس: "إن حقيقة أن الحرب بدأت بدون هدف سياسي واضح وضد نصيحة الشركاء الإقليميين الرئيسين، وأنه لم يكن هناك دليل واضح على وجود خطة بديلة بمجرد فشل الهجمات الأولية في إزاحة النظام الإيراني، من المرجح أن تقوض الثقة في الولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة وقد يستغرق الأمر بعض الوقت لإصلاحها". 

 

في الشهر الماضي، أبرمت السعودية اتفاقية دفاعية جديدة مع باكستان وتركيا، في مؤشر مبكر على أن حلفاء الولايات المتحدة الأقوياء قد يسعون إلى ترتيبات أمنية جديدة. إلا أن خياراتهم محدودة.

 

وقال أولريشسن: "إن المعضلة التي تواجه دول الخليج هي أنه لا يوجد بديل قابل للتطبيق لمجموعة كاملة من شبكات الدفاع والأمن مع الولايات المتحدة".

 

إسرائيل تخاطر بفقدان أقرب أصدقائها


أطلق حزب الله اللبناني المدعوم من إيران صواريخ على إسرائيل بعد أيام من اندلاع الحرب، مما أدى إلى رد إسرائيل بشن غارات جوية مكثفة وتوغل بري جديد. وأعادت إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان، لتضيفها إلى سيطرتها الأوسع على الأراضي اللبنانية عقب هجوم 7 أكتوبر.

 

لقد جاءت انتصاراتها التكتيكية العديدة بتكلفة باهظة تتمثل في عزلتها الدولية. ووُجهت لإسرائيل اتهامات واسعة النطاق بارتكاب إبادة جماعية في غزة ، كما وجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وهي جميعها اتهامات تنفيها إسرائيل بشدة.

 

وقال التقرير إن ما يثير قلق إسرائيل أكثر هو تراجع شعبيتها غير المسبوق في الولايات المتحدة. وتسارع هذا التراجع مع رؤية بعض النقاد أنها دفعت الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، وهو أمرٌ عززته إدارة ترامب في بعض الأحيان.

 

مع وصول الحرب إلى طريق مسدود خلال الصيف، حقق منتقدو إسرائيل البارزون فوزًا في بعض الانتخابات التمهيدية الرئيسية للحزب الديمقراطي في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وصوّت أكثر من نصف أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين لصالح خفض المساعدات لإسرائيل. كما واجهت إسرائيل انتقادات متزايدة من اليمين.

 

إضافةً إلى تدهور المشاعر في الولايات المتحدة، تتضاءل فرص إقامة علاقات أقوى مع دول أخرى. ويبدو تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية أمرًا بعيد المنال.

 

وقال أولريشسن: "إن الصراعات التي اجتاحت المنطقة منذ 7 أكتوبر دفعت المسؤولين في المملكة العربية السعودية إلى اعتبار القيادة الإسرائيلية الحالية مساهمةً في عدم الاستقرار الإقليمي، وبالتالي فهي ليست شريكًا دبلوماسيًا قابلاً للتطبيع في الوقت الحالي".